اسماعيل بن محمد القونوي

129

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بطائفتين متعاديتين يريد كل منهما البغي على الآخر لكنهما امتنعا من ذلك لمانع قوي مجبر فهي مصرحة تمثيلية بولغ فيه هنا حيث جعل المعنى المستعار كالملفوظ المقول كأن كلا منهما يتعوذ من صاحبه فانقلبت المصرحة « 1 » مكنية ولذا كانت من أحسن الاستعارات فلما منعها اللّه تعالى من الاختلاط شبه ذلك المنع بجعلهما قائلين هذا القول فعبر بأنه جعل بينهما هذه الكلمة عن ذلك كذا نقل البعض عن شرح الكشاف ثم قال وظاهر تقريرهم أنه لا تقدير وقد جعل بعضهم على هذا حجرا محجورا منصوبا بالقول المقدر ولا بعد فيه انتهى وظاهر كلام المص أنه جعل أولا مجازا مرسلا عن تنافر تام فتعلق الجعل بالتنافر مما لا كلام فيه ثم أشار إلى أنه يمكن أن يكون استعارة تمثيلية لأن قوله كأن كلا الخ نص في التشبيه شبه الهيئة المنتزعة من البحرين ومجاورة أحدهما بالآخر بحيث يكاد لا يبغي أحدهما على الآخر لكنه يمنعه مانع قوي بالهيئة المنتزعة من الشخصين المتعاديين القريبين يريد أحدهما البغي على الآخر قائلا حجرا محجورا لكنهما لم يقدرا على ذلك لمانع قوي الكلمة التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها وهي ههنا واقعة على سبيل المجاز كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له حجرا محجورا كما قال لا يبغيان أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازحة فانتفاء البغي ثمة كالتعوذ ههنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه وهي من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة وقال الطيبي لما كان هذا المجاز استعارة والاستعارة مسبوقة بالتشبيه قال في صورة الباغي شبه البحران بطائفتين متقابلتين يريد كل واحدة منهما بغي صاحبتها ومصادفتها ثم إنهما امتنعا من ذلك لمانع قوي ودافع مجبر كما يقال ثمة لامتناع الاختلاط أنهما لا يبغيان كذلك قيل ههنا حجرا محجورا فهو استعارة مصرحة تمثيلية ثم بولغ ههنا حيث جعل هذا المعنى المستعار كالملفوظ والمقول كما قال كان كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه فانقلبت المصرحة مكنية ولا ارتياب إذ الاستعارة كلما كانت أبعد من الشبيه وأوغل في التخييل كانت أحسن وأن المكنية أبعد من المصرحة فكما أن التشبيه للمصرحة كذلك المصرحة مقدمة للمكنية فإنك تقول أولا المنية سبع ثم تدخل المشبه في جنس المشبه به في المصرحة فإذا أردت المبالغة جعلت المشبه به عين المشبه في التخييل ثم تتخيل له لازمه قائلا أنياب المنية انشبت بفلان كذلك ههنا جعل كل واحد من البحرين بعد تشبيههما بطائفتين متقابلتين وادخال المشبه في جنس المشبه به ادخالا بليغا في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه ولهذا قال وهي من أحسن الاستعارات وأقول هذا الذي ذكره الطيبي رحمه اللّه مبني على أن يكون قولك زيد أسد من باب الاستعارة وهو ليس باستعارة عند محققي علماء البيان بل هو تشبيه بليغ فإن الاستعارة مبنية على تناسي التشبيه وذكر المشبه ينافي ذلك .

--> - منهما يكون تصويرا للتنافر البليغ ويجوز أن يكون الكلام على الاستعارة التمثيلية فقوله تنافرا بليغا بيان لحاصل المعنى وقوله كأن كلا منهما الخ لتصوير الاستعارة انتهى وهذا الأخير هو الظاهر من العبارة إذ ذكر أداة التشبيه كالصريح في الاستعارة وأيضا عادة المص ذلك . ( 1 ) فانقلبت المصرحة مكنية هذا غريب لأن الكلام إذا احتمل المكنية فليحمل عليها في أول الأمر فالداعي إلى حملها مصرحة أولا ثم القول بانقلابها مكنية .